28 يناير 2008

المنطلقات الفلسفية 1

لابد لكل بناء من أس صلب يقوم عليه، وكذا البناء الفكري والعقلي، إن لم يرسخ على كتلة ذاتية قوية، وأس صلب متكامل، تهلهل البناء وتهادى، لذلك تجد غالب المتصدرين من أصحاب الحنجرة والقلم مصابون بداء "هشاشة البناء الفكري"، لانعدام المنطلقات الفلسفية التي يطاولون عليها بناءهم، لذلك ينبعث إنتاجهم من "اِلتوى" لا "لواه"، وتظهر فيهم "العشوائية" مكان "التكاملية"، و"السطحية" بدل "التحليلية".
أضرب مثالاً على ما أقوله: لما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على العراق، لم أجد إلا انفعالاً شجباً وشتماً وإعلاناً للجهاد!! -ضحكاً على الذقون-، أما من خزر ونظر فقليل بل نادر، فمثلاً لكوني -في ذاك الوقت- برجماتياً قديماً استبشرت بهذا الإعلان، إذ أن من السنن الاجتماعية أن العرب يثورون على العدو والظالم الأجنبي، ولا يثورون على الظالم والعدو الذي من جلدتهم، ولعل الثاني أظلم وأطغى، وهذه الثورة ستنهض العراق وتعيد بغداد الرشيد، إذاً هذا ما نبغيه فاستبشرت، أما الدماء المسكوبة فهي ذاتها قبلاً، بل هي اليوم أزكى لأنها في سبيل كرامة لا خنوع.
لا تنظر إلى المثال وتناقشه، بل انظر إلى المقصود وهو أن الحكم انبثق من أصول فلسفية تضبط الفكر والرأي "فعلاً" لا "انفعالاً"، وتبعده عن التناقض.
وإن تعجب فاعجب من ذلك العالم الذي رجح قول ابن تيمية ورد قول الجمهور في مسألة ما، وقال في ترجيحه: "وقول الجمهور مبني على المصلحة المعارضة للنص، فيترجح قول شيخ الإسلام لتمسكه بالنص، ولا اجتهاد مع النص"، ثم أعقب بمسألة ثانية في نفس المجلس، ورجح قول ابن تيمية ورد قول الجمهور، وقال: "والراجح قول شيخ الإسلام؛ لأنه مبني على المصلحة، وأحكام الله مبينة على مصلحة العباد"، وتغافل عن النص الذي اعتمده الجمهور!!، فهذا التناقض الفكري وجد لفقدانه المنطلقات الأصولية الفلسفية، فتارة تجده ظاهرياً لا يتعدى النص، وتارة طوفياً مصلحياً، وهذا التناقض مبني على أصل واحد هو التعصب والتقديس لشيخ الإسلام.
وبعدما أوضحته من أهمية المنطلقات الفلسفية لدى الباحث والمثقف، أبين لكم المنطلقات الفلسفية، التي أبني وبنيت أفكاري عليها –إن شاء ذو العدل والحكمة-.

ليست هناك تعليقات: